منطق جديد وأعداد أكثر واقعيّة: المنطق الضبابي

لطالما اعتمد الرياضيون على المنطق الرياضي المألوف، وهو نفسه المنطق الذي درسه وطوّره الفلاسفة عبر قرون.. المنطق المألوف يعتمد على عدد من الخواص الأساسية، والتي أهمّها:

1- كل معلومة يجب أن تكون إما صحيحة أو خاطئة، وليس هناك خيار ثالث.

2- لا يمكن لمعلومة ما أن تكون صحيحة وخاطئة بآنٍ معاً.

فمثلاً: معلومة أنّ "الأردن بلد عربي" هي معلومة صحيحة، أمّا معلومة "المرّيخ والأرض في مجموعتين شمسيتين مختلفتين" هي معلومة خاطئة..

كذلك رياضيّاً يمكننا أن نحكم على العبارة “1=2” أنّها عبارة خاطئة، بينما “1<2” عبارة صحيحة..

كلّ من المعلومات أو العبارات السابقة يجب أن تكون إما صحيحة أو خاطئة، وليس هناك حل وسط أو خيارات أخرى..

تأتي المشكلة عندما أريد الحكم على عبارة مثل "زيد طويل".. هنا لا يمكنني أن أقول بصحّة العبارة أو خطئها بشكلٍ قاطع.. ربّما يكون زيد طويلاً في بلدٍ ما حسب متوسّط طول السّكان، وقصيراً في آخر.. وفي النّهاية هناك شخص "طويل قليلاً"، وآخر "أكثر طولاً"، والبعض طولهم "شاهق".. إذاً، فتصنيف الشّخص على أنّه "طويل" أو "غير طويل" هو أمر غير واقعي..

كذلك لو أردتُ الحُكم على عبارة "الغابة كبيرة"، فقد تكون الغابة كبيرة نسبياً مقارنةً بالغابات المحيطة بها، ولكنّ مساحتها لا تشكّل سوى نسبة صغيرة من مساحات الغابات في قارّة أخرى.. وحتى في نفس القارّة، هناك "كبير" و"أكبر".. لذا لا يمكنني أن أتعامل مع مفهوم مثل هذا ضمن منطق الصح أو الخطأ..

أمثلة كثيرة أخرى، مثل "الحاكم عدل"، "المنظر جميل" أو "عمرو محبوب"، تدلّ على وجود أمور في حياتنا لا يمكننا التّعامل معها بشكلٍ قطعيّ حسب المنطق التّقليدي..

إذاً فالأمر نسبيّ؟! ربّما كلمة "نسبيّ" ليست الكلمة المعبّرة تماماً، بل هناك كلمة أكثر تعبيراً.. في الحقيقة تُدعى هذه المفاهيم بمفاهيم "ضبابية" أو "مشوّشة" Fuzzy، وكي يتّضح هذا أكثر دعنا نتحدّثْ عن بعض المشاكل الرياضية التي وقف المنطق الرياضي المألوف عاجزاً عن معالجتها..

إذا قلتُ لكَ "أريد أن تكون أرباح الشركة 7 آلاف"، وأردتَ أن تحدّد العدد الذي قلتُه لكَ على خطّ الأعداد الحقيقيّة، عندها يمكنكَ ببساطةٍ أن ترسم الخطّ، وتضع نقطةً عند الرّقم سبعة (مع تجاهل الآلاف للسهولة)، وتسعى نحو الوصول إلى هذا الهدف..

ولكن.. ماذا لو قلتُ لكَ "أريد أن تكون أرباح الشركة تقريباً 7 آلاف"؟ أنا أريد هنا أن أعطيك نوعاً من المرونة، فلا ضرورة لأن يكون الرّبح مساوياً تماماً لـِ7 آلاف، يمكنه أن يكون أقلّ أو أكثر بقليل.. ولكنّي حتماً لا أريد للأرباح أن تكون أقلّ بكثير، ولا أريدها أن تكون أكبر بكثير خوفاً من الضّرائب مثلاً.. هل ستستطيع هنا تخيّل الرّبح المطلوب على خطّ الأعداد بنفس الطّريقة؟! بالطّبع لا.. ولن يمكنكَ تحديد نقطة محدّدة، ولا حتّى مجموعة نقاط على خطّ الأعداد..

ربّما ستقول لي: "لماذا لا أحدّد فترة مفتوحة الطّرفين تحيط بالرّقم 7، وأعتبر ما بداخلها هو "تقريباً 7" وما بخارجها هو "ليس تقريباً 7"؟ وهكذا سأجعل هدفي هو وصول الأرباح إلى عددٍ ما في هذه الفترة.. ألن يفي ذلك بالمطلوب؟"

هنا أنتَ تتعامل مع الأمر حسب المنطق المألوف الذي اعتدنا عليه: إما "تقريباً 7"، أو "ليس تقريباً 7".. لا بأس.. سأوضّح لكَ المشكلة، ومبدئيّاً سأجيبكَ بسؤال: "ما هي حدود الفترة التي سنختارها؟ وكم طولها؟"

ثمّ لنفرض أنّنا بعد نقاشٍ طويلٍ اتّفقنا على اختيار الفترة المفتوحة (6,8) كما هو موضّح في الصّورة السابقة.

سأطرح عدّة أسئلة هنا:

أولاً: أليس العدد 6.8 هو "تقريباً 7" أكثر من العدد 6.2؟! ولكنّكَ من خلال تحديد فترة كهذه قمتَ بقبولهما بنفس الدّرجة..

ثانياً: لماذا أقبل العدد 7.99 ليكون "تقريباً 7"، وأرفض العدد 8.01؟! أليسا قريبين جدّاً من بعضهما؟ هل سيؤثّر هذا الفرق الصّغير على اتخاذي لقرارات قد تكون حاسمة في الشّركة؟

ثالثاً: هل سأقول إنّ العدد 9 هو ليس "تقريباً 7"، مثله مثل العدد 1000؟! هل هذا منطقي حقّاً؟ أليس العدد 1000 أبعد بكثير عن الـ7 مقارنةً بالـ9؟

رياضيّاً اعتباركَ صحيح، ويمكنكَ فرض الفترة التي تريد -كَبُرَت أو صَغُرَت- وأن تمشي على أساسها وتُكمِل حساباتك، وقد تحصل على نتائج.. ولكن هل ستكون تلك النتائج واقعيّة؟

الأسئلة الثلاثة السابقة، والتي هي أسئلة منطقيّة جدّاً، ويقبلها العقل فوراً، توحي بأنّ هناك حاجزاً بين الرياضيات والعقل البديهي.. ولكن كيف سأستطيع أن أعبّر رياضيّاً عن هذا الرّقم غير الواضح وأحلّ تلك المشاكل؟

إذا بقيتَ تفكّر بالمنطق التقليدي -يكون أو لا يكون-، فلن تصل إلى نتيجة.. فالمنطق المألوف يعجز عن إيجاد تعبير واقعيّ عن المسائل التي تكون حدودها غير واضحة.. لا مشكلة على أيّ حال، فهناك من وجد حلّاً!

ليس الأمر غريباً إذا لم تكنْ لديكَ القدرة على إيجاد حلٍّ للمشكلة؛ فلم يتمّ إيجاد تعبيرٍ رياضيٍّ صحيحٍ يحلّ هذه المشكلة إلا مجدّداً عام 1965م من خلال ورقة بحثيّة نشرها العالم زادة Zadeh، وكانت الورقة بعنوان "Fuzzy Sets" أي المجموعات الضبابية (المشوّشة أو الترجيحية).. وهذا الفِكر الرياضي الضّبابي يُعتَبَر حتّى الآن علماً حديثاً في الرياضيات، وهناك نسبة كبيرة من الجامعات حول العالم، والتي لا تقوم بتدريسه لطلابها..

اعتبر زادة بعض المفردات التي نستخدمها في حياتنا اليومية مثل "تقريباً"، "أكثر من" و "أقلّ بكثير"، هي تعابير ضبابية.. وإذا ما أردنا أن نكون أكثر واقعيّة، فلا يمكننا التّعامل معها كما نتعامل مع الألفاظ والمفاهيم الحتميّة..

في الحقيقة، حياتنا وأفكارنا كلّها تدور حول أمور ومفاهيم مشوّشة، فليس هناك طريقة واحدة صحيحة للقيام بشيء ما، وليس هناك بشكلٍ عام مفهوم قطعيّ غير قابل للنّقاش.. هناك دوماً نسبة من الصّواب ونسبة من الخطأ..

والآن كي نفهم معنى الضّبابيّة أكثر، لنتخيّل معاً حلّاً مبدئيّاً للمشكلة السابقة حول تمثيل العدد "تقريباً 7" على خطّ الأعداد، بعيداً عن تمثيله الرّياضي..

لنتخيّل منطقةً ضبابيّةً محيطةً بالعدد سبعة، تكون كثافتها عاليةً عنده تماماً، وتتلاشى شيئاً فشيئاً كلّما ابتعدنا عنه..

test_1.png

يمكن اعتبار كثافة الضّباب معياراً لقرب العدد من 7.. وهكذا، إذا اعتبرنا كثافة الضباب 100% عند العدد 7 تماماً، وإذا قمنا باختيار أيّ عدد حقيقي آخر، يمكنكَ قياس درجة كثافة الضّباب عنده على خطّ الأعداد وتحديد مقدار كونه "تقريباً 7".. هنا لم يعد هناك صح وخطأ، هنا أصبح الجواب هو نسبة مئويّة، ولها عدد لا نهائي من الخيارات..

بعبارةٍ أخرى، إذا قلتُ لكَ: "كنتُ أريد أن تكون أرباح الشركة تقريباً 7 آلاف، وفي الحقيقة ربحتُ 6 آلاف.. فهل ربحي جيّد أم سيّئ؟"

هنا لن تستطيع أن تجيبني فقط بـِ"جيد" أو "سيئ"، ربّما ستجيب بـِ"نوعاً ما" أو "لا بأس".. سؤالي لكَ كان غامضاً، لذا لا بدّ لجوابكَ أن يكون كذلك.. وإذا رسمتَ تلك الغيمة الضبابية، يمكنكَ أن تحصل على رقم يوضّح لكَ تماماً مدى جودة هذه الأرباح..

قد يسأل أحدهم: كيف سأحدّد معدّل تلاشي الضّباب كلّما ابتعدنا عن العدد 7؟ هل سيتلاشى بسرعة أن ببطء؟ والجواب هو: حدّده كما تريد، وحسب ما تقتضيه المعطيات الواقعيّة التي بين يديك..

يبقى السّؤال هنا: كيف أعبّر عن هذه الغيمة بشكلٍ رياضيّ وأحسب تلك النّسب المئوية؟

في الحقيقة هذا ما فعله زادة تماماً، وهو ما سنناقشه في مقالٍ لاحق إن شاء الله..

تابعونا لتعرفوا تفاصيل أكثر عن المجموعات والأعداد الضّبابية Fuzzy Sets & Numbers وبعض تطبيقاتهما. هل هناك علاقة بين المنطِقَيْن التقليديّ والضبابيّ يا تُرى؟

ستعرفون أيضاً الإجابة على سؤال يتكرّر كثيراً: هل الضّبابية Fuzziness هي نفسها العشوائية Randomness؟ لماذا يخلط الكثيرون بينهما؟ وما الفرق؟

((للنسخة الإنكليزية اضغط على زر "English" أسفل المقال))

 

مروة تفاحة – Marwa Tuffaha

marwat.math@gmail.com

المصدر:

Zadeh, L.A., 1965. Fuzzy sets. Information and control, 8(3), pp.338-353.

التعليقات

5

بالتوفيق مروة
موضوع جديد تم طرحه بأسلوب بسيط

مقال جميل جداً بأسلوب مبسط
الله يعطيكم العافية

الموضوع جميل يغطي الأفكار بشكل مختصر وبأسلوب واضح وممتع
وفقك الله

ما شاء الله عنك مروة حبيبتي والله يوفقك دايما بما فيه الخير للجميع
بصراحة اول مرة بقرا هيك نوع من الكتابات و عجبني كتير طريقة طرحك الموضوعية وكتابتك المتزنة والواضحة.
بتمنالك التوفيق والنجاح الدائم

الله يعطيكم العافية ويجزيكم الخير

إضافة تعليق جديد